search
إصدارات
ارتباطات
السرقة الأدبية واختراع العجلة
7/6/2014

السرقة الأدبية قضية ملتبسة، ويدخل فيها ما يسمونه توارد الخواطر والأفكار، لكن المؤكد أن اقتباس عبارات كاملة من دون الإشارة إلى صاحبها، أو حتى وضعها بين علامتي تنصيص، يعد سرقة، ومن باب أولى يعد نقل فقرات، أو قرصنة العمل بالكامل، سرقة فاضحة.

وقد يسهل الوقوف على مواضع السرقة في الرواية والشعر، ما لم يكن الأمر مجرد تناص مقبول. لكن علينا أن نكون حذرين في إطلاق الأحكام في المقالة، خصوصاً مقالات الرأي، إذ يصعب على الكاتب ادعاء أصالة رأيه في كل مرة يكتب فيها، والزعم بأن كل رأي يطرحه هو من بنات أفكاره، خصوصاً إذا كان يتناول في مقالاته الموضوعات التي توصف بأنها "أُشبعت بحثاً".

وفي مرة كنت أجلس مع بعض الأصدقاء من الكتّاب الشباب، ودار الحديث بشأن مقال منشور قبل أيام، كان أحد جلسائنا قد كتب في الفكرة نفسها قبل فترة، فأخذ الجميع "يعزّون" صاحب المقال؛ لأن كاتباً آخر "سرق" رأيه وأعاد صياغته بقصد تضييع معالم الحقيقة.

وتصادف أنني تذكرت مقالاً قديماً قرأته يطرح كاتبه الرأي نفسه تقريباً، وكان هذا قبل أن يبدأ صاحبنا الكتابة أصلاً، لكني بطبيعة الحال بقيت صامتاً، إذ ليس من اللائق الحديث في مجالس العزاء والتوضيح بأنه لا يمكن وصف من يكتب مقالاً يدعو فيه إلى منع بيع مشروبات الطاقة بأنه سارق، لأن كاتباً آخر سبقه إلى تلك الدعوة، اللهم إلا إذا كان قد نسخ المقال كما هو ونشره باسمه، أو نقل منه فقرات كاملة من دون أن يشير إلى صاحبها.

أما الذي يجعل الكاتب يبدو في نظر القرّاء كأنه لا يدري بأن العجلة اخترعت قبل قرون، ويبدو في نظرهم بأنه يريد اختراعها من جديد، فسببه باعتقادي قلة اطلاعه ومتابعته لما كتبه من سبقه في هذا العالم، فيعتقد أن كل فكرة يكتبها لم تخطر على قلب بشر، ومن ثم يشعر بالضيق إذا كتب شخص من بعده عن فكرته العظيمة، أو قال رأياً يقترب من رأيه، من دون أن يشير إلى اسمه.

والغريب أن الاعتقاد بإعادة اختراع العجلة انتقل إلى تغريدات موقع "تويتر"، وأصبح من يدلي بأي رأي في 140 حرفاً، وفي الغالب هناك من أدلى بالرأي نفسه في مكان ما، وفي فترة ما، يعتقد أنه يستحق الحصول على شهادة ملكية فكرية للـ 140 حرفاً التي كتبها، لدرجة أنني كتبت في أحد الأيام تغريدة في "تويتر" لاقت صدى لدى مجموعة كبيرة من المغردين، وكانت التغريدة اقتراحاً يتعلق بإجراء حكومي، وبعد فترة قصيرة أعلنت الجهة المعنية عن بدء تطبيق ذلك الإجراء الذي "اقترحته"، فما كان من أحد أصدقائي في "تويتر" إلا استدعاء تغريدتي من الأرشيف وإعادة نشرها مع خبر تطبيق الإجراء، فما كان مني إلا الرد عليه بأن الاقتراح ليس من بُنيات أفكاري، وإنما هو اقتراح  طُرح أكثر من مرة في الصحف، وحين أتت المناسبة، تذكرت ذلك الاقتراح وطرحته في "تويتر"، ولم أنسبه إلى نفسي، وفي الوقت نفسه لم يكن المجال يسمح بأن أستعرض "قصة حياة" ذلك الاقتراح.

كنا نحاكم النصوص النثرية والشعرية الطويلة ونرى إن كانت ثمة سرقة أدبية فيها، ثم أصبحنا نفعل ذلك مع مقالات الرأي، وتعسّفنا أكثر في تفسير السرقة الأدبية وتوسيع مفهومها لتشمل حتى 140 حرفاً، وقد يأتي يوم نتهم بعضناً بعضاً بسرقة كلمة واحدة.

 


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01