search
إصدارات
ارتباطات
علم الخفة
17/10/2013

بدعوى أنه لا كهنوت في الإسلام، وأن القرآن جاء بلسان عربي مبين، وأننا مأمورون بالتفكّر والتدبّر، يظن بعضهم أن اللسان العربي يكفي وحده ليكون مجدافاً يستعمل على ظهر تلك الدعاوى للإبحار في علم غزير كالقرآن الكريم. 

ورغم أن تلك الدعاوى صحيحة إلا أنها  في هذا الموضع حقٌ يراد به باطل، وإلا من أين تأتي جرأة بعضهم على تفسير القرآن من دون أية أسس علمية، أو مقومات، لدرجة أنني رأيت تسجيلاً لشخص يزعم أنه "مفكر" يذكر فيه قوله تعالى: "ولقد ذَرَأنا لجهنمَ كثيراً من الجنِ والإنسِ" ثم يتساءل مشكّكاً: ألا تتناقض هذه الآية مع الآية التي تقول: "وما خلقتُ الجنَ والإنسَ إلا ليعبدونِ"؟!

ولو أتعب هذا نفسه قليلاً، وأعطى للعلم بعض الاحترام، لعرف أن ذوو الاختصاص تكفلوا بإزالة الشك الذي قد يعلق في الأذهان من تلك المسألة، فيقول الشيخ متولي الشعراوي بالنص:

"وقد يثور في الأذهان سؤال هو: هل أنت خالقهم يا رب لجهنم؟! ونقول: كلا، ففي اللغة ما يسمى بـ "لام العاقبة"، وهو ما يؤول إليه الأمر بصورة تختلف عما كنت تقصده، لأن القصد في الخلق هو العبادة مصداقاً لقوله تعالى: "وما خلقتُ الجنَ والإنسَ إلا ليعبدونِ"، ومعنى العبادة طاعة الأمر، والكف عن المنهي عنه، والمأمور صالحٌ أن يفعل وألا يفعل".

ثم يضرب الشعراوي – رحمه الله- مثلاً بوزير للتعليم يسأل مدير مدرسة عن حال الطلبة، فيقول المدير إنهم يعلمون جيداً من هم أهلٌ للرسوب ومن هم أهلٌ للنجاح. فالمدير، رغم أنه لا يتحكم في إجابات الطلبة، فإنه يعلم من تصرفاتهم ومدى التزامهم ما يؤولون إليه، وعلى ذلك فإن قوله تعالى: "ولقد ذَرَأنا لجهنمَ كثيراً من الجنِ والإنسِ" يعني أننا نشرنا وبثثنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس، وهم من يعرضون عن منهجنا.

كانت الحكاية كلها في "اللام العاقبة" أو "لام الصيرورة" التي جهل ذلك المشكك وجودها معتقداً أن كل "لام" في اللغة العربية هي "لام تعليل"، فشطح في تفكيره، ويعلم الله كم شخصاً أصبح لا يدري لم خلقه الله بسبب ذلك التشكيك غير العلمي.

كان هذا مجرد مثال، وإلا فهناك الكثير من الكلام الغريب الذي يتردد على ألسنة أساتذة علم الخفة الذين يبدؤون حديثهم بتساؤلات مثل: هل نضع عقولنا في الثلاجة؟ هل كتب التفسير مُنزلة؟ ألسنا مأمورين بالتفكّر فيما نقرأ والتدبّر في معناه؟

وهذه التساؤلات أيضاً حق يراد بها باطل في هذا الموضع، إذ لا بد من وجود مقومات لمن يحب أن يُعمل عقله ويبدي رأيه في أي شيء، وفي تفسير القرآن لا بد من الإلمام بعلوم اللغة، كالنحو والصرف والبيان والبلاغة والبديع، ومعرفة علوم القرآن نفسه، كعلم القراءات، وأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، ولعل أولى المقومات وأخفها هو العودة إلى ما قاله أهل الفن الذي "قرر" هو أن يتحدث فيه، للاستفادة من أقوالهم، والبناء عليها بعد ذلك، لئلا يأتي بالعجائب كما يقولون.

وتهون المصيبة حين يتعامل بعضهم بخفة مع نظريات سياسية، أو مع مبادئ اقتصادية، أو مع علوم اجتماعية وإنسانية، لكن المصيبة تكون في التلاعب في معاني كتاب يمثل دستور حياة لمن يؤمن بأنه كلام الله، والتوصل بخفة إلى انتفاء مسؤولية البشر عن الشرور التي يقترفونها لأن الله خلقهم أصلاً ليقذف بهم في جهنم!


Share |
|
|
|
يوسف جباعته
8/3/2015 09:52 AM
بوركت استاذ احمد على الرد انا لم اره سوى اليوم وبالمصادفة، اظن انه ينبغي ان يكون هناك تنبيه يصل الى البريد الالكتروني في حال كانت هناك تعليقات او ردود على المواضيع، وبهذا يتحقق التفاعل المطلوب، يعني شيء شبيه بالفيس بوك مثلا.
أحمد أميري
26/12/2014 11:20 PM
أهلا أخي يوسف، وأجدني أتفق معك تماماً، ولعل استشهادي بالشيخ الشعراوي ما يؤكد أن رأيي لا يختلف عن رأيك. كما أن القضية ليست في الناسخ والمنسوخ وأسباب النزول، وإنما في أن يكون المرء محيطاً بهذه الأمور قبل أن يشرع في التفسير. على الأقل يفهم ما يعني الناسخ والمنسوخ، حتى وإن كان لا يوافق هذه الفكرة. تحياتي.
يوسف جباعته
16/12/2014 09:37 AM
قد اتفق معك يا استاذ احمد في بعض ما ذهبت اليه وللحديث في هذا الشأن شجون كثيرة، لكن باختصار شديد فانني ارى ان مناسبات النزول وفرضيات الناسخ والمنسوخ هي من اكبر العوائق لفهم كتاب الله وتدبره بشكل سليم. فالناسخ والمنسوخ يعني ببساطة ان الله غير رايه في مسألة بعد ان استجدت امور لم يكن يعلمها،وهذا محال بحق الله طبعا! اما مناسبات النزول فتعني ببساطة ان هذا الكتاب نزل الى اهل مكة فقط وللقرن السابع الميلادي فقط، وهذا غير صحيح فهو كتاب للبشرية كافة حتى تقوم الساعة، جاء بلسان مبين. لا ننسى يا عزيزي ان التراكم المعرفي له اثر كبير جدا في تطور المعارف ويجب ان لا نغفل عن وجود قامات فكرية كبيرة في زمننا المعاصر من متدبري القران، اذ لا يعقل ان نظل رهنا لفهم ابن كثير والطبري.
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01