search
إصدارات
ارتباطات
مجنون القمّة (مقامة)
14/12/2010
  
في قديم الزمان، ومكان غير هذا المكان، اجتمع بنو قحطان، وإخوتهم من بني عدنان، والبربر والكلدان، والأقباط والإخوان. وكان بين الحضور، قوم آشور، الذين آثروا الظهور. وأتى نفرٌ من الأحباش، وبعض الأوباش. وأرسل الفرنجة رسولهم، ليقف على أمورهم، ويعرف علومهم، فكان يراقبهم، ولا يخاطبهم، ولا يجاملهم. وكان الحزن يخيّم على الجميع، على الوضيع منهم والرفيع، والكهل والرضيع، والكآبة بادية على الوجوه، ولو ضحك أحدهم لذبحوه.

بعد نحنحة وعطسات، وغمغمة وغمزات، وحشرجة وتجشآت، قال قائلهم، وهو يرمقهم، كأنه يعاتبهم: إن لنا أخاً حماراً، يُعلنها جهاراً، سأشعلها ضراماً، يقولها مراراً، فالله الله لا تصدّقوه، واكفروا به وكذّبوه، واتركوه وتجنّبوه، فهو سبب المصائب، مراوغ كالثعالب، مهاجم كالعقارب، فلا تضيّعوا أنفسكم، وانظروا في أمركم، وثوبوا إلى رشدكم.

وانتبه أحدهم من نومه، على قرع صاحبه ولومه، وسبّه وشتمه، ونظر إلى مَن حوله، وقومه وشمله، وإخوته وآله، وأيقن أنه في اجتماع، وأن الجمع في وضع استماع، فقال وهو يفرك عينيه، ويرطب شفتيه، ويمسح على وجنتيه: رحم الله أبي بشفاعة جده النبي، لقد حشرنا مع الغبي، ورضي بالقتل والسبي، وهانحن اليوم نبوء بالدمار، في الليل والنهار، ولم ينته بعد هذا الشجار، ولا ذنب لنا نحن الصغار. 

فقال ثالث يُطمئِنه، ويبشّره ويهنئه، ويجمّله ويزيّنه: لا تثريب عليك يا صبي، ودعك من أبيك والغبي، والحرب والدوي، فأنت ابن اليوم يا غلام، وليس عليك أي ملام، ولا قول ولا كلام، لكن إن أردت أن نشتريك، فلا يركبك الهمّ ولا يعتريك، فعليك أن تبرأ من صاحب أبيك.

ففهم الغلام الإشارة وفطن، ووقف لكن لم يبن، وقلب لصاحبه ظهر المجن، وتبرّأ منه إلى الأبد، ووثب في وجهه كالأسد، وبارك الهجوم على البلد، فاعتبروه أخاً في الجد، وصار أهلاً للوِد، بعد أن كان من دول الضد، وفرح الغلام بنجاته، وانكمش على ذاته، ورجع إلى سباته.   

وهكذا فلت ابن الدوقة، لكنهم رمقوا باقي الجوقة، الذين باركوا الأرض المحروقة، فخارت قواهم، وخالفوا هواهم، والطمع الذي أعماهم، وتابوا إلى الوضع الجديد، وقالوا قولاً سديداً، ولان ما كان بالأمس صلباً حديداً.

لكن أسداً ورم أنفه، وشهر سيفه، وحدجهم بطرفه، وقال: تعساً لكم يا عبيد الدنيا، قنعتم بالدرجة الدنيا، هذا أخوكم يطلب المدد، في الجند وفي العدد، ذوداً عن البلد، فكيف جعلتموه وراء ظهوركم، وبالأمس كان يذود عن ظهوركم، ويحمي ثغوركم، شاهت الوجوه، أكلما وقع أحدكم نبذتموه، وكلما نعق ناعق تبعتموه؟

قالوا له: حسبك يا غلام، أكثرت من الكلام، اسكت والسلام، صرت تتخبط بغير هدى، وجعلت تراث أبيك سدى، فما عدا مما بدا؟ فقال أحدهم للغلام: أنا معك يا عمي، ويا أعز من أمي، دمك دمي، وشحمك شحمي. أما هؤلاء الأقزام، فعقولهم أحلام، وأحلامهم أوهام. قالوا له: هبلتك الهبول، وحسابك يطول، سمّن كلبك يأكلك، جوِّع بغلك يرفسك، أهذا جزاء الإحسان، تسلقنا باللسان؟

وكان أكبرهم يغط في نوم عميق، ونخيره كريح تضرب وادٍ سحيق، أو كعربة تجري في الطريق، فوكزه أحد معاونيه، وقرصه أحد مرافقيه، ورفسه أحد ملازميه، وانتبه أن السيل آخره غثاء، وأن الفوز في الدهاء، وأن الكتف تؤكل عند البلاء.

فقال: الأمر أمران، وكلاهما مرّان، إذا ما ركبت مركبكم خسرت قافلتي، وأضعت معاملتي، وظلمت عائلتي، فلا تضيّعوني يرحمكم المولى، وأعينوني على نفسي بالمنّ والسلوى، وإلا ناصرته فهو الأولى، فأين أنا منكم، ومما في جيوبكم، وأنا كبيركم؟

قالوا له: تبت يداك، والخير عداك، بالأمس لم يكن لنا إلاك، واليوم اهتدينا إلى سواك، فأمُّنا العظيمة، الرؤوفة الرحيمة، الطيبة الكريمة، قادمة لا محالة، فدع عنك الجهالة، وحرفة الدلالة. 

وبينما هم كذلك، يوضحون المهالك، ويصفون المسالك، دخل عليهم المجنون، قال ماذا تفعلون؟ ولِم أنتم مجتمعون؟ لأفرّقن شملكم، وأبددنّ حزبكم، وأبعثرنّ جمعكم، أإذا تأخرت في الحمّام اجتمعتم دوني؟ لِم سكتم ولا تجاوبوني؟ لأسفهنّكم واحداً إثر واحد، ليعلم أمركم الغائب قبل الشاهد، فلا تقوم لكم قائمة في المشاهد.

فأنت أيها البدوي، جئت أمراً غير سوي، وغفلت عن جيشنا العربي القوي، واتصلت بالأعداء، ودعوت الأصدقاء، وحرّضتهم على الأشقاء، ولو كان بيدك لركبت فرس الشيطان، وتعاونت على الإثم والعدوان، وحاربت الرحمن، لكنك يا هذا معذور، وأظنك مأجور، ولولاه لكنت في قبرك مطمور.

لم يرض البدوي بما قيل من سيرته، ورفع عقيرته، وقام بنوه وعشيرته، وغنى البدوي الغناء الشفوي الذي جاء بشكل عفوي:
لا تلعب بالنار تحرق أصابيعـك
 لا ترمي بحجار عندك شبابيكك
لا تفتح هالباب ثبت مساميـرك
لا تمشي وتروح إلزم مواسيرك
لا تحكي وتقول تفشي وساويسك
لا تكدب عالناس ملّوا أكاديبك

فضحك المجنون من نفسه، ومن برج نحسه، وغروب شمسه، ووقف بشكل ساخر، وغنى هو الآخر، وأطرب المجلس العامر:
ليه ليه ليه يا حمد، يكدب يا حمد، وهو عارف إن الكدب ملوش، رجلين؟
ليه ليه ليه يا حمد، يزعل يا حمد، وهو عارف إن الحق ملوش، لونين؟
ليه ليه ليه يا حمد، أسكت يا حمد، وانت عارف إني أنا مليش، وشّين؟

ولما بدا الخلاف، وظهر ما تحت اللحاف، وأن القوم كالنخل العجاف، أمر رسول الفرنجة قومه بعزف الكمنجة، ودق الطبول، وتجهيز الخيول، ليوم مجهول.
 
 
نُشر بمجلة "أحوال" بتاريخ 15/3/2003

Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01