search
إصدارات
ارتباطات
صفعة أبي الأسطورية
5/4/2010

مع احترامي لكل دعاة التربية الحديثة، فإن الضرب هو الذي أدّبني وانتشلني من دوّامة الضياع. بالطبع لم أحصل على الضربة أو العضّة الأولى بعد الخطأ الأول، وإنما جاءت بعد سلسلة من الإجراءات التأديبية التي بدأت بنظرات العتاب مروراً بكلمات التوبيخ وانتهاءً بالحرمان من الألعاب. 

يقولون إن الضرب لا يجدي وأنه غير إنساني وغير حضاري ولا يناسب العصر، وإنما ينبغي أن يفتح الوالدين شباك الحوار مع أبنائهم. وهذا صحيح في المرة الأولى والمرة الثانية والعشرين والألف، لكن بعد الخطأ الألف ليس هناك إلا الكف، مع قليل من الركل والرفس. 

لا أذكر أول ضربة أسرية، لكنني بالتأكيد أذكر آخر ضربة في يوليو 1987، لأنها كانت ضربة أسطورية محفورة إلى اليوم على صفحة روحي، وكل من شهد الموقف تعجب من قوة الضربة وطريقتها، فقد كنت أقف بعيداً بأمتار عن أبي حين أخبروه بما حصل، فقفز في الهواء ولطمني كفاً بيديه الاثنتين، جعلتني أتقهقر عشرات الأمتار مصدراً صوتاً يشبه صوت الكلاب الضالة حين ينهرها المارة. 

كان هذا في إجازة المدارس وانتقالي من الصف السابع إلى الثامن، حين ارتكبت خطأ هو أقرب إلى الجريمة الكاملة لولا اعتراف شريكي الذي كنت أنا صديق سوءه، وجاءت الصفعة المزدوجة من أعز إنسان لدي: أبي الذي لم يكن قد ضربني منذ أن أتيت إلى هذه الدنيا. 

لم يكن هذا الخطأ هو الأول من نوعه، فقد ارتكبت الخطأ نفسه مرات ومرات، ونُفّذت بحقي جميع الإجراءات التأديبية. وحين لم أنته، كانت النهاية على يد أبي الذي أتعمد الآن تقبيل يده كلما رأيته، فقد قلبت ضربة 1987 حياتي، وصرت من بعدها أفكّر ألف مرة قبل أن أفكّر في ارتكاب الأخطاء الصغيرة قبل الكبيرة، بل إنني أتمنى أن يمنحني الآن ضربات أخرى لعل وعسى تستقيم أموري بشكل أفضل، على أن يتعهد باستخدام يد واحدة.  

وإذا كانت الضربة القاضية لسوء سلوكي جاءت على يد أبي، فإن أخي جاءته الضربة على يد رجال المباحث. فأثناء إقامة بطولات الكريكيت في نادي الشارقة، كان الجمهور الغفير يوقف سياراته في أزقة منطقتنا، وكانت هناك عصابة من الأولاد الصغار تفتح أبواب السيارات بواسطة مفك براغي و"تلطش" النقود. كان أخي هذا من فتوّات المنطقة، وفي جولة من جولات تفقد الرعية، هو واثنين من أعوانه، استوقفوا العصابة ووبّخوا أفرادها وأخذوا منهم حصيلة ذلك اليوم. وفكّروا في طريقة التصرّف، فجئت إليهم باقتراح تناول عشاء فاخر في مطعم معروف يطل على ميدان الساعة.  

في اليوم التالي حضر رجال المباحث وأخذوا أخي بعد أن ضبطوا العصابة التي أرشدت عنه وعن معاونيه، وأترك المايكرفون لأخي ليصف ما حدث: دخلت مبنى المباحث ضاحكاً ولم يطلقوا سراحي إلا حين تنازلت عن كبريائي. البداية كانت مع خرطوم مياه أسود سميك، نزل على جسدي مثل الصاعقة، ثم أمروني أن أقود دراجة نارية، فقلت لهم: أين هي؟ قالوا: في الهواء. وبقيت لأكثر من ساعة جالساً في الهواء بوضعية من يقود دراجة، ومع كل خروج عن هذه الوضعية كان خرطوم الماء يلهب ظهري وقدمي وما بينهما. ولأنني لاحظت أن معاوناي نزلوا من دراجاتهم بعد أن بكوا، أخذت أعصر عيوني إلى أن نزلت بعض القطرات، حينها أخلوا سبيلي، وقررت بعدها أن أكون قانوناً يمشي على الأرض، متجنباً كل ما يمكن أن يجعلني أقود الدراجة في الهواء.   

وأحياناً أقول في نفسي إن الاعتياد على الضرب من قِبل أمي هو الذي جعلني لا أرعوي إلا بالصفعات والركلات، ولم أعد أستوعب لغة الحوار لأنني كبرت عليها، أي ما عادت تجدي معي. لكن هذا غير صحيح، فكما قلت من قبل أن الضرب لم يكن الخيار الأول لأهلي، وأعرف أستاذ جامعة لم يكن يعترف بالضرب ويعتبره وسيلة متخلفة داعياً إلى التربية الحديثة التي كلّفته آلام القولون العصبي، بسبب شبابيك الحوار التي فتحها مع أولاده لكنهم كسروا زجاجها بحصى العناد والتفلسف والإصرار على قراراتهم الساذجة. وفي يوم من الأيام نسي الأستاذ المتحضر كل أساليب التربية وأصبح أباً غير حضاري وهمجي ورجعي وضرب ابنه ضرباً مبرحاً لأنه كان يقود دراجته خارج البيت المطل مباشرة على الشارع العام، بعد أن حذره أكثر من مرة وحاوره وأوضح له خطورة تصرفاته. 

ينبغي التدرج في التأديب، وعدم المسارعة إلى الضرب، خصوصاً إذا كان بدافع الانتقام وليس بهدف التأديب، لكن من الأفضل أن يسكت دعاة التربية الحديثة حين تصبح المسألة مسألة حياة أو موت، أو مسألة دخول السجن، أو مصاحبة أصدقاء السوء والمدمنين وعتاة المجرمين. في هذه الحالات لا شيء أجدى وأصلح من الضرب، وربما يحتاج دعاة التربية الحديثة إلى القليل من الضرب ليكفّوا عن تلويث عقول الآباء وإفساد الأبناء. 
   


Share |
|
|
|
أحمد أميري
10/4/2010 1:50 PM
* فعلاً شي غريب لكنه حصل يا أخي بوخليل، ولو لم يحصل لما تذكرت هذه الحادثة بعد أكثر من عقدين، ولا أظن أنني سأناها طيلة حياتي وبعد مماتي. * شكراً أخي سعيد وجاري الضرب.
سعيد
9/4/2010 4:47 PM
اللي أعرفه.. إن من شروط الضرب في الإسلام ثلاثة:- - لا يدمي دماً - لا يكسر عظماً - أن يكون غير مبرح وخذ راحتك في الضرب لو قدرت اطبق هالشروط..
بو خليل
7/4/2010 11:52 PM
ضربة بيدين !؟ شيء غريب بس تعرف، ترى حتى الضرب له فوايده .. إلى الآن، وبعد مرور اكثر من 10 سنوات، مازلت أتذكر اللطمة اللي ضربني إياها ابي على خدي .. والسبب الذي حدث ذلك من أجله لدرجة إنه هذا الامر يخليني اتذكره الى هذا اليوم ... ! - قصة اخوك حدث، تخليه يرتعد طيلة عمره ... - الضرب مفيد، لكن بشرط، ما يكون مثل السلخ اليومي كل شيء بحدوده، وكل شيء المفروض يكون بمنزله
أحمد أميري
7/4/2010 01:08 AM
لم أكن أعرف أنك أستاذ يا أخي محمد بابا، ومدير مدرسة أيضاً، كان الله في عونك وتصرفك أعتقد أنه من قبيل التطور وليس التناقض.
محمد بابا
7/4/2010 12:13 AM
استخدمت العصا مدة "خمس سنوات" كنت وكيلا لمدرسة ثانوية وعندما انتقلت مديرا لمدرسة ثانوية أخرى تبنيت ميثاق حقوق الإنسان ورفضت تفتيش جيوب التلاميذ بحثا عن أجهزة الجوال .. تحياتي لمقال ذكرني بمتناقضات نفسي ..
أحمد أميري
5/4/2010 10:21 PM
* أخي بوحنون، فعلاً كان هم الوالد أطال الله في عمره ألف سنة صنع عياله وليس الانتقام منهم. وأرجو أن يكون جميع الآباء مثله فإن لم يكونوا فعلى الأقل نصبح نحن مثلهم مع أولادنا. * لو لم يمنحني أبي تلك الصفعة القاضية يا عزيزي صاحب التعليق البسيط لكنت اليوم في عالم البرزخ أواجه مصيراً مخيفاً. ما كنت أفعله كان أكبر من مجرد شقاوة وكان هذا الطريق الذي أسلكه يؤدي إلى نهايات مفجعة، والحمد لله على كل شيء.
تعليق بسيط
5/4/2010 7:05 PM
والله ياأميرى الضرب له سلبيات وايجابيات يعنى لول ابوك يخليه لك اياه لو ما صفعك الصفعة الاسطورية لما وجدتنى اعلق على مقالاتك لانه اصلاً ما كان هناك مدون اسمه احمد اميرى ولا كان ال....ب...ل أحمد اميرى هههههههههههههه اعتقد انها كانت صفعة على شقاوه
بو حنون
5/4/2010 3:48 PM
الله يحفظ لك الوالد . كان همه يصنع ولم يكن ينتقم .. قَبل ذلك الرأس .. وكأن الدنيا تغُيب امثالهم عمدا شكرا اخوي أحمد
أحمد أميري
5/4/2010 2:49 PM
ذكرت أخي عبدالرحمن حماد في المقال أن صفعة أبي الأسطورية كانت من أعز إنسان لدي الذي لم يسبق أن ضربني منذ أن جئت إلى هذه الدنيا وأن الضرب المعتاد كان على يد أمي. لذلك فأنا أتفق معك تماماً وأعتقد أن أحد الأبوين، خاصة الأب، يجب ألا يتدخل في العقاب إلا في الجرائم الكبرى والشديد القوي، فلو كان أبي يضربني كل يوم لكانت صفعته تحصيل حاصل، لكنني بقيت أعاني من تلك الصفعة طويلاً، وما نسيت أن أضيفه في المقال أنني بقيت أربعة أشهر أتجنب الالتقاء بأبي رغم شوقي الشديد إليه، لدرجة أنني كنت أراقبه من خلف الستائر ودموعي تنهمر على خدي، ودموعي تنهمر الآن وأنا أكتب هذا التعليق لأنني كنت ولا أزال محظوظاً بهذا الأب.
عبدالرحمن حماد
5/4/2010 1:37 PM
انزين يا استاذ احمد ٩٠٪ من الاباء مب حكماء مثل أبوك الله يحفظه, ويضربون لأتفه الاسباب , لحد مايصير الضرب غير مؤثر , وعشان جيه نحتاج خبراء التربيه اللي يقولون لاتضربون بالمرة , فمايضرب الاب .. الا في الشديد القوي لما يشوف الامر خطيييير , فنوصل لمرحلة من التوازن وانا أشوف ان الابناء اللي انضربوا ضرب مبرح هم الاكثر اجراما واثارة للمشاكل
أحمد أميري
5/4/2010 1:36 PM
لو كانت الركلات والصفعات أكثر يا أخي أحمد عمر لكنت الآن رائد فضاء أو على الأقل حائز على جائزة نوبل.
أحمد عمر
5/4/2010 1:34 PM
كلام جميل جدا و منطقي 100% ... أتفقك معك فيما ذكرت .. نعم لولا ركل ابي و صفعاته لما وصلت لما أنا فيه الآن ...
أحمد أميري
5/4/2010 1:10 PM
حاضرين يا إيمان وأرجو أن تأخذي هذا المقال بعين الاعتبار أثناء تربية أولادك في المستقبل، وأتمنى أن تسيل دماؤهم أنهاراً.. جذور التربية مُرة لكن ثمارها حلوة، كما يقال.
إيمان أحمد
5/4/2010 12:30 PM
يا أحمد، كنت محتاجة للضحك، ولهذا الرأي.. يوم سعيد :)
أحمد أميري
5/4/2010 12:28 PM
جريمة كبيرة لكن غير مخلة بالشرف.
عبدالرحمن حماد
5/4/2010 11:40 AM
انزين انا الحين فيني فضول شو كان الخطأ اللي استحقيت عليه الضربة القاضية ؟
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01