search
إصدارات
ارتباطات
حجي حمد الحلواني
14/1/2009

 

كان الطريق إلى أفضل الجامعات مفروشاً أمامي بالعلامات النهائية في معظم مواد الثانوية العامة، وكنت الأول على دبي بنين، والثاني على الجنسين، ومحطّم جميع الأرقام القياسية في العائلة، و.. كنت الأول في المراهقة أيضاً.

لم يبقَ كائن حي إلا ونصحني بمواصلة الدراسة في الخارج، وحين قوبلت نصائحهم بقفاي، اقترحوا جامعات الدولة، لكن لا فائدة، فروح التمرّد كانت تكبس على صدري وتمنع وصول الأفكار السليمة إلى رأسي، فأنا أولاً تعبت من الكتب ثم إنني أريد أن أعمل لأحصل على راتب وأشتري سيارة و"أتحوّط" في الشوارع، مثل أغلب شباب "الفريج" الذين كانوا يقطعون الشوارع ذهاباً وإياباً بسياراتهم. 

بعد أشهر قليلة، كان أغلب زملاء الدراسة يبدؤون حياتهم الجامعية، وقلة منهم انتظمت في العمل، وبقيت وحيداً أقزقز اللب وأبصق على جدران البيت، بعد أن أودعتُ أوراقي أكثر من جهة حكومية. ولأن الفراغ يولّد الانحراف، وفي حالتي حتى الانشغال يولّد المشكلات، فقد تعاونت أيدي الأهل على إزهاق روحي المتمرّدة، وحين رأيت العين الحمراء قلت لهم: ماذا أفعل الآن بعد أن طار المتميزون بدرجاتهم وأُغلقت أبواب البعثات، وكراسي الجهات الحكومية محجوزة لمن يملك "الواو"؟ 

اقترحوا علي أو أرغموني على قبول العمل في معمل للحلوى تورّط أبي في استلامه بعد أن أنشأه أخي وتركه يحصد فوائد البنوك، ووجدها أخي فرصة ليبرهن أن المعمل مفيد، فهذا ابنكم العاطل سيعمل به مديراً بدل أن يحترف الانحراف. بالطبع لم أعلن موافقتي إلا بعد أن وضع أخي سيارة كان يستعملها تحت تصرفي في فترات استراحته، أي الظهر وآخر الليل.  

والأهم أنني لن أضطر إلى فتح الكتب، ويكفي أنني بعد سنوات سأصبح ذا كرش كبير وشاربين معقوفين، وألبس "جلابية" الفلاحين وعلى رأسي عمامة، أجلس خلف مكتبي أستقبل طلبات بيع الحلوى وأوبّخ العمال كما في الأفلام المصرية والكل يناديني بـ "المعلم أحمد الحلواني". 

ولأن وصف "معلم" ليس دارجاً في الخليج، سأكون الحاج أو الحجي، مع الاحتفاظ بالنكهة المصرية في "الحلواني"، لكن يبقى تشذيب اسمي فأكون حمد، وأنتهي أخيراً إلى علامة تجارية موسيقية سهلة الحفظ: "حجي حمد الحلواني"، أو "ح. ح. ح".

لكن الذي حصل أن الحلواني أخذ يبكي بـ"جلابية" النوم المخططة بالأزرق والأبيض، وهو يصبغ جدران المعمل بالطلاء وينظف الأرضيات ويحمل شوالات السكّر والطحين، فالمعمل لا يزال جديداً وليس هناك إلا عاملان اثنان يقومان بمساعدة أبي المُبتلى بعياله. 

كانت دموعي تسقط بصمت حين أتخيل نفسي أحاور أساتذة جامعة هارفارد وأكوّن الصداقات مع الزملاء والزميلات، أو الزميلات فقط، بينما في الحقيقة وعلى أرض المعمل، أحاور الجدران وأكوّن الصداقات مع الشِوالات، الشِوالات فقط. وكانت الدموع تتساقط وتقول آه حين أتذكر زملاء المدرسة الذين كانوا يعتبرونني مرجعهم الأعلى في الدروس، لكنهم اليوم يتثاءبون في قاعات الجامعات وأنا أستيقظ منذ الفجر لأصبغ الحيطان. 

بعد أسابيع من مسح الأرضيات والدموع، بدأ العمل وامتلأت القدور بالحلوى العمانية، وحصلت على ترقية، وأصبح دوري مناولة العمال مكونات الحلوى ثم تعبئتها في العلب، مع شيء من أعمال المديرين: تسجيل الكميات الصادرة والمسترجعة في دفتر أزرق.

وبسبب البؤس الذي كان يحيط بي، لم أتعلم أي شيء، أكثر من ستة أشهر أساعد في صنع الحلوى لكنني لم أعرف مكوناتها بالضبط ولا طريقة صنعها على الرغم من أنني "ح. ح. ح" بشحمه ولحمه، فحتى العزاء الوحيد الذي كنت أجده في "الكورولا" البيضاء، ذهب مع عودتها إلى مكتب إيجار السيارات، ولم تكن هناك إلا سيارة بيك أب صفراء اللون طراز 1978 بينما كنا في العام 1992. سيارة أو بالأحرى قضبان معدنية تتحرك من دون تكييف، ولا راديو، ولا مصابيح إضاءة، ولا حتى مسّاحات.

لكن لم تذهب تلك الدموع هدراً، فقد انتشلتني السماء من الحلوى أخيراً، وجاءني اتصال من أحد إخوتي الذي دبّر واسطة وقال إن وظيفة مكتبية تنتظرني، وبعدها بأسابيع اشترى لي أبي سيارة لم "أتحوّط" بها كثيراً بعد أن قيّدت اسمي في إحدى الجامعات ودرست بالانتساب وأًُزهقت روح التمرّد والغباء وذهب "حجي حمد الحلواني" في ذمة التاريخ.

Share |
|
|
|
أحمد أميري
21/1/2009 3:41 PM
كل ما ذكرته أخي الهاشمي صحيح.. خصوصاً كلامك عن ثمار الألم والعذاب، وعن نتيجة الصبر..
أحمد عبدالله الهاشمي
19/1/2009 2:34 PM
بدون قصد أو بقصد لدينا ذكريات ومع هذا يجدها البعض فرصة للنيل منك.(الافضل أن تطلب الستر) ولا استغرب قيامك بفضح نفسك فأحلامك كانت وردية (ليست كأحلام البنات) وللاسف احترقت في أفران الحلوى (هل عرفت فن صناعة الحلوى الان) فمن الالم والعذابات تأتي أروع القصص والتضحيات بل قل المبدعون. وبالنسبه لك كأنها خيال فقد ذهبت بعيدا ... والحمد لله يا أميري أنك رجعت ووجدت نفسك هنا !!!!! نعم لست في صورة مثاليه الان بالنسبه للبعض ولكنك بالنسبه الي شبيه الى تلك الصفه. لقد تجرع معظمنا من نفس الكأس أي لم نكن نعرف ترجمة كلمة برجوازيه وارستقراطيه يكفيك أن ضاعت طفولتك وشبابك في مساعدتك والدك والبكاء في صمت فلا وقت للعب. وانتقالك من الدراسة الى المحل والصدفه في دخولك الجامعه والان .... صبرك على كل هذا جعله أجمل ذكرى ليت الناس تعي نتيجة الصبر
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01